جلال الدين السيوطي

600

الإتقان في علوم القرآن

أحدهما : يرجع إلى الألفاظ المفردة ؛ إما من جهة الغرابة نحو ( الأبّ ) و يَزِفُّونَ [ الصافات : 94 ] . أو الاشتراك كاليد واليمين . وثانيهما : يرجع إلى جملة الكلام المركّب ؛ وذلك ثلاثة أضرب : ضرب لاختصار الكلام ، نحو وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ [ النساء : 3 ] . وضرب لبسطه ، نحو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] . لأنه لو قيل : ( ليس مثله شيء ) كان أظهر للسامع . وضرب لنظم الكلام ، نحو : أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ( 1 ) قَيِّماً [ الكهف : 1 . 2 ] ، تقديره : ( أنزل على عبده الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجا ) . والمتشابه من جهة المعنى : أوصاف اللّه تعالى وأوصاف القيامة ؛ فإنّ تلك الأوصاف لا تتصوّر لنا ، إذا كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسّه ، أوليس من جنسه . والمتشابه من جهتهما خمسة أضرب : الأول : من جهة الكمية ، كالعموم والخصوص ، نحو فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 5 ] . والثاني : من جهة الكيفية ، كالوجوب والندب ، نحو : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 3 ] . والثالث : من جهة الزّمان ، كالناسخ والمنسوخ ، نحو اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] . والرابع : من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها ، نحو : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [ البقرة : 189 ] . إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [ التوبة : 37 ] ؛ فإنّ من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذّر عليه تفسير هذه الآية . الخامس : من جهة الشّروط ، التي يصحّ بها الفعل أو يفسد ، كشروط الصلاة والنكاح . قال : وهذه الجملة إذا تصوّرت ، علم أنّ كلّ ما ذكره المفسّرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم . ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب : ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه ، كوقت الساعة ، وخروج الدابّة ، ونحو ذلك . وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته ، كالألفاظ الغريبة والأحكام الفلقة . وضرب متردّد بين الأمرين ، يختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم ويخفى على من